الاثنين، 31 ديسمبر، 2012

ع ر ب ي

ذكر عبد الحميد الثاني آخر سلاطين الخلافة، أن انتشار المدارس الأجنبية كان سببا في تدهور الثقافة العامة في الخلافة. ذكر أنه أصبح لكل بلد "مدرسة". و أن عددها تضاعف عشر مرات على الأقل في ولايته، و أنها تشكل خطرا على "الهوية". ربما أصبح ذلك رافدا من روافد "الوطنية" التي قتلت فكرة الخلافة في مقتل.
في أوروبا، لا أثر لمدارس "اللغات". في كل بلد أقمت فيها (سويسرا، ألمانيا، بلجيكا و فرنسا) هناك مدرسة "أمريكية" لنخبة النخبة. في بلجيكا مصاريف المدرسة في واتر لو تقريبا 20 ألف يورو في العام، في مقابل بضعة مئات للمدارس الحكومية، نسخة المدرسة الأمريكية في سويسرا بتيتشينو، لم أجرؤ يوما على السؤال على مصاريفها، يكفي أن تمر خارج المدرسة لتشاهد سيارات الطلبة الثانوية (بورش و بوجاتي... و أشياء من هذا القبيل)، أغلبهم أبناء شخصيات عالمية بارزة تم إستحضارهم لتلك المدرسة الداخلية لأسباب مختلفة. سمعت أرقاما مشابهة لبضعة آلاف في اليوم الواحد. الخلاصة، أن التعليم الحكومي هو الأساس. وما عدا ذلك فإنه لشريحة أثرياء الأثرياء النادرة أصلا في مجموع الشعب.

لفت طه حسين في أحد مقالاته الانتباه لنفس الأمر، أن التعليم الإنجليزي، و الفرنسي و الألماني، ... إلخ بأنواعه يؤدي بالضرورة لاختلافات ثقافية عميقة في المجتمع، تجعل بالضرورة كل طالب أميل لثقافة مدرسته. ربما لم يكن أيامه يوجد فقاعة التعليم الخاص أو اللغات و الدولي و الدولي الأمريكي و التجريبي و القومي و العسكري .... إلخ. والتي بطبعها أضافت بعدا "طبقيا" فوق البعد الثقافي.

الخلاصة،

لا أمل في دولة فيها هذا الكم من الاختلاف في الأسس الثقافية المكونة لشخصية الفرد الوطني. الاختلاف نفسه أمر مطلوب وواجب لإثراء الإبداع، ولكن من منطلقات ثقافية راسخة. تجد في الدول متعددة اللغات اهتمام جاد باللغات الأخرى. مثلا أغلب من قابلت من متعلمي سويسرا يتحدثون لغة المقاطعة وهي إما الفرنسية أو الإيطالية أو الألمانية و كذلك لغات الدولة الباقية، و عليها الإنجليزية، و أحيانا النمساوية(لأنها أيضا من لغات الدولة). أي أن المتعلم العادي يتحدث 4 أو 6 لغات. ولكن يبقى التعليم الحكومي هو الهيكل الرئيسي لتعليم كل تلك اللغات. تجد مثلا عامل القطار أو بائعة التذاكر تتحدث على الأقل 4 لغات بطلاقة تامة.

تعلمت في مدارس "إنجليزية"، أحيانا، كنت أفخر بذلك. أحيانا مرت لم أكن أكتب فيها حرفا بالعربية، و تغير كل ذلك. ولكني أعي كم "الطبقية" و كم "الاختلاف" الثقافي حتى التي تخلقه المدارس في وعي النشئ. شاهدت ذلك بعيني في مراحل التعليم التالية للثانوية، وربما وعيته باكرا. أصبحت أكثر إدراكا لتحيزات الطلاب بناءا على تعليمهم الثانوي بالتوازي مع الشريحة الاجتماعية. ربما أصبحت أكثر "أصولية" و ارتباطا بهويتي بعدما رأيت قدرا ميسورا من الأرض و رأيت كيف يهتم الفرنسيون و الألمان بهوياتهم خالصة، حتى ترجموا للغاتهم حتى لغات البرمجة(!). بل إن الفلمانكيين من سكان بلجيكا و الذي لا يتعدى تعدادهم ال 6 ملايين بأي حال، يترجمون كل ما يصل إلى أيديهم للغتهم الفقيرة البائسة. أشعر بالخجل حينما أنظر إلى الاسكندرية بملايينها و إهمالها للغة، في مقابل كم المنتج من كتب و تراجم و برامج و أنظمة لهؤلاء الفلمنكيين.

أحلم بتعليم حكومي، موحد، لا طبقية فيه. يثري الهوية، و يدعم الاختلاف في مراحله المتأخرة. و يهتم باللغات الأخرى.
 
أحمد عبد الحميد